فصل: مدلول الآية الكريمة في ضوء العلوم المكتسبة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.مدلول الآية الكريمة في ضوء العلوم المكتسبة:

أولا: سبق القرآن الكريم بالإشارة إلي أصل ماء الأرض:
في الوقت الذي تضاربت فيه آراء العلماء حول أصل ماء الأرض جاء القرآن الكريم مؤكدا أن الله تعالى قد أخرج كل ماء الأرض من داخلها، ودوره بين الأرض والسماء في عملية مستمرة دائمة من أجل تطهيره وإنزاله ماء طهورا علي هيئة المطر والبرد ليجري علي سطح الأرض في أشكال وهيئات متعددة، تلعب أدوارا مهمة في تشكيل سطح الأرض، وشق الفجاج والسبل فيه، وتفتيت صخوره، وتكوين تربته، وتركيز ثرواته، وتوفير قدر من الرطوبة في كل من التربة والأجزاء السفلي من الغلاف الغازي للأرض.
وفي ذلك يقول الحق تبارك وتعالي:
(1) {والأرض بعد ذلك دحاها آخرج منها ماءها ومرعاها} [النازعات:31،30].
(2) {أفرأيتم الماء الذي تشربون أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون} [الواقعة:68- 70].
(3) {وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتي إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتي لعلكم تذكرون} [الأعراف:57].
(4) {وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين} [الحجر:22].
(5) {الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فتري الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون} [الروم:48].
(6) {ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فتري الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار} [النور:43].
{والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلي بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور} [فاطر:9].
{إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث} [لقمان:34].
{وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا} [النبأ:14].
{وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا علي ذهاب به لقادرون} [المؤمنون:18].
{ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض} [الزمر:21].
ثانيا: تضارب آراء العلماء حول أصل ماء الأرض:
تضاربت آراء العلماء حول أصل الماء علي سطح الأرض تضاربا كبيرا، ولم يحاول أحدهم ربط ذلك بماء المطر علي الرغم من وضوح ذلك. ففي الحضارة اليونانية القديمة اقترح أفلاطون 428- 348 ق. م وجود خزانات جوفية هائلة علي هيئة عدد من الممرات والقنوات تحت سطح الأرض تقوم بتغذية جميع أشكال الماء علي سطح الأرض من جداول وأنهار، وبحيرات وبحار ومحيطات وغيرها، وتخيل أن هذا الخزان المائي الهائل ليس له قاع إذ يتخلل الأرض كلها، وأن الماء يمور فيه بصفة مستمرة.
أما أرسطو 385- 322 ق. م فقد رفض هذه الفكرة علي أساس أن مثل هذا الخزان لابد أن يكون أكبر من حجم الأرض لكي يتمكن من الإبقاء علي جميع الأنهار متدفقة، ونادي بأن هواء باردا في داخل الأرض يتحول إلي الماء كما يتحول الهواء البارد حول الأرض، واقترح أن تضاريس الأرض العالية تعمل عمل قطع الإسفنج الهائلة حيث تتشبع بهذا الماء المتكون في داخل الأرض من تكثف الهواء الجوفي البارد، وأنها تقطر هذا الماء فتغذي به الأنهار والجداول والينابيع.
كذلك نادي فيزوفيوس في القرن الأول الميلادي وهو من مفكري الحضارة الرومانية بأن الأودية بين الجبال أكثر حظا من الجبال في غزارة ماء المطر، وأن الثلج يبقي فوق الأرض لفترة أطول في المناطق المكسوة بالغابات الكثيفة، وأنه عند انصهاره يتحول إلي ماء فيتخلل فتحات الأرض، ويصل في النهاية إلي أسافل الجبال التي تسيل منها الجداول وتتدفق.
وظل العديد من العلماء حتي آواخر القرن السابع عشر الميلادي مقتنعين بفكرة الكهوف الكبيرة في داخل الأرض كمصدر رئيسي لماء الأنهار، أو أن الماء المتجمع تحت سطح الأرض يأتي من البحر، وقد لخص هذه الآراء الخاطئة عالم أوروبي باسم أثناسيوس كيرثر 1602- 1680م مفترضا أن البحر مرتبط بجبال جوفاء تتدفق منها الأنهار والجداول. ولم يستطع أحد من علماء الغرب ومفكريه تصور إمكانية أن تكون زخات المطر المتفرقة علي مدار السنة كافية لابقاء الأنهار وغيرها من مجاري الماء متدفقة به علي مرور الزمن. علي الرغم من أن فرنسياباسم برنارد باليسي 1510 م- 1590م كان قد أعلن أن الأنهار والينابيع لايمكن أن يكون لها مصدر غير ماء المطر، وأشار إلي أن الماء تبخره حرارة الشمس، وتحمل الرياح الجافة التي تضرب الأرض هذا البخار فتتشكل السحب التي تتحرك في كل الاتجاهات كالبشائر التي يرسلها الله، وعندما تدفع الرياح تلك الأبخرة يسقط الماء فوق أجزاء من الأرض، وعندما يشاء الله تذوب تلك السحب التي ليست سوي كتلة من الماء، وتتحول إلي مطر يسقط علي الأرض، وعندما يواصل هذ الماء نزوله من خلال شقوق الأرض ويستمر في النزول حتي يجد منطقة مغلفة بالصخور الكثيفة فيستقر عندها علي هيئة مخزون فوق هذا القاع الذي يتدفق منه الماء عندما يجد فتحة توصله إلي سطح الأرض علي هيئة ينابيع أو جداول أو أنهار.
وواضح أن باليسي هذا قد نقل هذا الكلام عن ترجمات معاني القرآن الكريم التي كانت قد توافرت للأوروبيين في زمانه، أو عن بعض كتابات المسلمين التي قام الأوروبيون بترجمتها في بدء عصر النهضة الأوروبية إلي كل من اللاتينية واليونانية بعد نهبها من المكتبات الإسلامية في كل من الاندلس وإيطاليا وصقلية، أو خلال الحروب الصليبية، وذلك لوضوح النبرة الإسلامية في كتابته.
ثالثا: أهمية الماء للحياة علي الأرض:
كوكب الأرض هو أغني كواكب المجموعة الشمسية بالماء الذي تقدر كميته علي سطح ذلك الكوكب بنحو 1،4 بليون كيلومتر مكعب، ويتوزع أغلب هذا الماء 97،22% في البحار والمحيطات، ويتجمد أغلب الباقي في حدود 2،15% علي هيئة سمك هائل من الجليد فوق قطبي الأرض، وعلي قمم الجبال، ومابقي بعد ذلك ونسبته لاتكاد تتعدي 0،63% من مجموع ماء الأرض يتوزع بين الماء المختزن تحت سطح الأرض وتبلغ نسبته 0،613%، والمخزون في البحيرات الداخلية، والجاري في الأنهار والجداول، والمتمثل في رطوبة كل من التربة والجو ونسبته في حدود 0.027%.
ويغطي ماء الأرض حاليا نحو 71% من مساحة سطحها المقدرة بنحو 510 ملايين كيلومتر مربع، بينما تشغل اليابسة حوالي 29% من تلك المساحة فقط، والصراع بين اليابسة والماء كان- ولايزال- من سنن الله في الأرض.
والماء سائل شفاف، وهو في نقائه لا لون له، ولا رائحة، ولا طعم، ويتركب جزيء الماء من ذرتين من ذرات غاز الهيدروجين، وذرة واحدة من ذرات غاز الأوكسجين، وترتبط هذه الذرات الثلاث مع بعضها البعض برابطتين تساهميتين تشكلان فيما بينهما زاوية قدرها 105 من الدرجات، وقد جعل ذلك لجزيء الماء قطبين كهربيين يحمل أحدهما شحنتين موجبتين، ويحمل الآخر شحنة سالبة مكافئة، وهذه الخاصية وفرت للماء- بإرادة خالقه- من الصفات الطبيعية والكيميائية ماجعل منه أقوي مذيب معروف، وبالتالي جعله من أهم ضرورات الحياة، فأجساد الكائنات الحية يغلب علي تركيبها الماء الذي تتراوح نسبته في جسم الانسان بين 71% في الانسان البالغ و93% في الجنين ذي الأشهر المعدودة.
هذا بالاضافة إلي أن جميع الأنشطة الحيوية من مثل الأيض والتمثيل الضوئي لايمكن أن تتم في غيبة الماء في أجساد كل من النبات والحيوان والإنسان.
فالنبات علي سبيل المثال يأخذ غذاءه من التربة عن طريق مابها من عناصر ومركبات ذائبة في الماء، وهذه العصارة الغذائية يمتصها النبات بواسطة شعيراته الجذرية، فترتفع في الأوعية الخشبية للنبات بقدرة خاصة أعطاها الله تعالى للماء تعرف باسم الخاصية الشعرية، تعين العصارة الغذائية علي الارتفاع إلي أعلي في داخل النبتة حتي تصل إلي قمتها مهما كان ارتفاعها، وخاصية ثانية تعرف باسم التوتر السطحي تعين الماء علي التماسك في أسطح أفقية فلا ينهار منها بسهولة.
وبعد الاستفادة بالقدر اللازم من الماء، يطلق النبات الزائد عن حاجته إلي الجو بالبخر بعدد من العمليات الحيوية التي أهمها النتج. وبالمثل فإن كلا من الإنسان والحيوان يأخذ القدر اللازم له من الماء عن طريق الطعام والشراب، ويطرد الزائد عن حاجته بواسطة عدد من العمليات الحيوية التي أهمها التنفس، العرق، الدموع، الإخراج، وغيرها.
رابعا: دورة الماء حول الأرض:
تبخر أشعة الشمس كما هائلا من ماء الأرض فيرتفع علي هيئة بخار يعلق بأجزاء من الغلاف الغازي للأرض، ثم يتكثف في أجزاء منها علي هيئة قطيرات دقيقة من الماء مكونا السحب باذن الله.
ويقدر مايرتفع من الأرض إلي غلافها الغازي سنويا بنحو 380،000 كيلومترا مكعبا من الماء، يتبخر أغلبه من أسطح البحار والمحيطات 320،000 كيلومترا مكعبا، ويرتفع الباقي من اليابسة 60،000 كيلومترا مكعبا.
ويعود كل مايتبخر من ماء الأرض إليها ثانية 380،000 كيلومترا مكعبا في السنة ينزل منه بتقدير الله 284،000 كم 3 فوق البحار والمحيطات،000،.96 كم 3 فوق اليابسة، وفي عودته إلي الأرض يصرفه ربنا تبارك وتعالى حسب مشيئته وعلمه، ومن نماذج هذا التصريف الإلهي البديع أن الفرق بين البخر من أسطح البحار والمحيطات والمطر فوقها ناقص 36،000 كم 3 هو نفسه الفرق بين الإمطار علي اليابسة والبخر الصاعد منها زائد 36،000 كم 3 والزائد علي اليابسة يفيض إلي البحار والمحيطات للمحافظة علي مستوي منسوب الماء فيها في كل فترة زمنية محددة.
هذه الدورة المائية المعجزة حول الأرض استمرت منذ أن أخرج الله تعالى ماء الأرض من داخلها إلي اليوم الراهن وإلي أن يرث الله الأرض ومن عليها، وبهذه الدورة يتحرك الماء من الغلاف المائي للأرض إلي غلافها الهوائي ليتطهر مما يتجمع فيه من ملوثات ومواد ذائبة فيه وعالقة به، وتمتد هذه الدورة من نحو الكيلومتر تحت سطح الأرض إلي ارتفاع يقدر بنحو خمسة عشر كيلومترا فوق مستوي سطح البحر.